صديق الحسيني القنوجي البخاري

114

أبجد العلوم

والمركبات ، وأنذر بالطوفان ورأى أنه آفة سماوية تلحق الأرض فخاف ذهاب العلم فبنى الأهرام التي في صعيد مصر الأعلى وصور فيها جميع الصناعات والآلات ، ورسم صفات العلوم والكمالات حرصا على تخليدها . ثم كان الطوفان وانقرض الناس فلم يبق علم ولا أثر سوى من في السفينة من البشر ، وذلك مذهب جميع الناس إلا المجوس فإنهم لا يقولون بعموم الطوفان . ثم أخذ يتدرج الاستئناف والإعادة فعاد ما اندرس من العلم إلى ما كان عليه مع الفضل والزيادة ، فأصبح مؤسس البنيان مشيد الأركان لا زال مؤيدا بالملة الإسلامية إلى يوم الحشر والميزان . واللّه تعالى أعلم . * * * الفصل الثاني في منشأ إنزال الكتب واختلاف الناس وانقسامهم وفيه إفصاحات الإفصاح الأول : في حكمة إنزال الكتب اعلم أن الإنسان لما كان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من نوعه في إقامة معاشه والاستعداد لمعاده ، وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو له ويحصل بالتعاون ما ليس له من الأمور الدنيوية والأخروية . وكان في كثير منها ما لا طريق للعقل إليه ، وإن كان فيه فبأنظار دقيقة لا تتيسر إلا لواحد بعد واحد ، اقتضت الحكمة الإلهية إرسال الرسل وإنزال الكتب للتبشير والإنذار وإرشاد الناس إلى ما يحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا . فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة ، والطريق الخاص الذي يصل به إلى هذه الهيئة هو المنهاج والشريعة ، فالشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام ، والحدود والأحكام ابتدأت من آدم وشيث وإدريس عليهم السلام وختمت بأتمها وأكملها . فمن الناس من آمن بهم واهتدى ، ومنهم من اختار الضلالة على الهدى ؛ فظهر اختلاف الآراء والمذاهب من الكفار والفرق الإسلامية كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ .